أزمة الربيع العربي
تاريخ نشر المقال : 2011-08-22 22:33:00
أزمة الربيع العربي
جذب الربيع العربي أنظار العالم واستطاع أن يعيد للنقاش الفكرة الجامدة التي صارت رائجة والقائلة إن المجتمع العربي عصي على الديمقراطية وأن ثمة عداءً عضوياً بين الثقافة العربية وبين الديمقراطية.
لم يكن الربيع العربي مفاجئاً من جهة حدوثه بل ومن جهة قوة انتشاره من بلد لآخر، وربما يكون اتسم باللاعنف في بداياته خاصةً في تجربتي مصر وتونس، إلا أنه انتقل في تجارب أخرى خاصة في اليمن وليبيا إلى استخدام القوة والأعمال المضادة، وبهذا فإن قوة الدفع الديمقراطي العربي نبعت من عضويته ومن ثم إصراره على الإطاحة بالأنظمة التي ولد جل المشاركين بالتظاهرات في تونس والقاهرة وبنغازي وصنعاء بعد تولي رؤساء بلدانهم الحكم، وكثير منهم لم يعرف رئيساً غير ذلك الجالس على الكرسي في القصر الجمهوري.
لا أحد يعرف تحديداً ما إذا كان العام 2011 سينقضي بعد ميلاد أول ديمقراطية عربية حقيقية أو هل ستشهد الشهور الأخيرة من العام الحالي انتخابات عربية حقيقية تكون التتويج الذهبي للثورات العربية؟ بالطبع ثمة حديث عن انتخابات محتملة في مصر الخريف وأخرى في تونس وثمة تعديلات دستورية مهمة تتعلق بشروط الترشح للرئاسة لجهة تخفيف الشروط والقيود التي كانت تجعل مثلاً من مبارك وابنه المرشحين الوحيدين المحتملين ولكن رغم ذلك فإن الشواهد الدامغة تجعل من إجراء هذه الانتخابات ممكنة ولكن ليست أكيدة.
وبمراجعة تطور الحالة العربية في العام 2011 يمكن الخلوص إلى أنه شهد تعديلاً للأنظمة وتبديلاً للرؤساء خاصة إذا ما تم فعلاً خلال أيام الإطاحة الكاملة بالقذافي بعد وصول قوات الثوار إلى ضواحي طرابلس وازدياد الضغط على بشار الأسد بعد تشكيل المجلس الوطني كحالة مرجعية يتعامل معها المجتمع الدولي لتنظيم وترتيب الأوضاع في سورية إضافة إلى الحسم المرتقب في اليمن.
ما الذي حدث تحديداً؟!!
تم تغيير الأنظمة وتبديل الرؤساء فيما ظلت الديمقراطية تنتظر ميلادها الحقيقي، حيث إن هذا التغيير طال رموز الحكم ولم يطل بعد آليات الحكم، بهذا فإن المعضلة الكبرى التي ستعصف بالربيع العربي وسيكون لها كبير الأثر في تحديد مصيره هي عجز التحول العربي عن الوصول إلى مرحلة الديمقراطية. في مصر تمت الإطاحة بمبارك بعد أيام من خروج الناس للشارع مطالبين برحيل الرئيس واستطاع الجيش بحكمة ومقدرة أن يخرج البلاد من العنف الذي ظهرت بوادره في 'موقعة الجمل'، وبذلك تنحى مبارك في خطاب ألقاه نائبه المعين حديثاً وأحد قادة الجيش عمرو سليمان الذي سرعان ما اختفى خلف الستار لتبدأ مرحلة ما بعد مبارك دون أن تبدأ مرحلة الديمقراطية.
ما حدث لم يقنع الشبان والشابات الذين خرجوا للشارع، لكنها كانت كافية لإظهار هول التحولات التي حدثت. لم يكن أحد في الوطن العربي يتوقع أن يأتي يوم يطاح به بالرئيس الآمر والناهي الذي كانت تصور شخصيته بالمقدسة في بعض البلدان، ليس الرئيس بل عائلته وزمرته بحيث تحولت الدولة إلى ميراث يمكن للرئيس أن يورثه لابنه قبل وفاته مثلما فعل حافظ الأسد، الشيء ذاته ينسحب على بقية الزعماء العرب.
المواطن العربي اعتبر أن مجرد تغيير الرئيس بحد ذاته إنجاز كبير وبهذا فإن الربيع العربي جاء للمواطن العربي بالفاكهة الكبرى التي جعلت قوة الدفع الديمقراطي محصورة في عصيرها: تغيير النظام. سيصاحب هذا بالتأكيد تغيير في بعض قواعد اللعبة ولكن قواعد الحكم كاملة يبدو أنها لن تتغير كثيراً، وهذه نقطة مهمة في فهم عجز الربيع عن إحداث تحولات كبرى في شكل الدولة وطريقة إدارتها.
ربما سيكون من الصعب مقارنة سرعة التحول الديمقراطي في أوروبا الشرقية مقابل تعثر التجربة العربية حيث إن مفاعيل الثورات الديمقراطية وقواها في أوروبا الشرقية كانت أكثر نضوجاً خاصة في بعض البلدان الأكثر تأثراً بالمجتمعات الغربية مقابل ضعف القوى الديمقراطية العربية التي وجدت نفسها بشكل مستمر تحت بساطير الجنرالات وفي أقبية التحقيق، كما يمكن استجلاب حالات التحول الديمقراطي في أميركا اللاتينية لتعميق حالة النقاش، وهذا أمر آخر.
المؤكد أن الربيع العربي سيطول انتظار قطافه الحقيقي، وفاكهته الناضجة المتمثلة في إحداث التحول الديمقراطي الحقيقي الذي يقود إلى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية دورية تتسم بالنزاهة والشفافية يشارك فيها المواطنون في الترشح والترشيح بصرف النظر عن الجنس والدين واللون بالطبع. ثمة اشتراطات كثيرة لتحسين جودة الديمقراطية لكن الأهم هو دوران العجلة وبدء التحول الجوهري في طريقة إدارة البلاد في سبيل خلق حالة الاستقرار في الأنظمة التي خرجت لتوها من طور الديكتاتوريات إلى الطريق السريع ولكن غير الآمن وغير المعروف نهايته.
بهذا فإن الربيع العربي لم يثمر بعد.
بدا جلياً أن غاية المواطن العربي من خروجه للشارع هي الانقضاض على الحاكم والإطاحة برموز النظام الفاسد، وبدا هذا هدفاً كبيراً في ظل التسلط الذي مارسته هذه الأنظمة، وربما بقراءة الحالة التفاعلية العربية بعد سقوط بعض هذه الأنظمة يمكن لنا أن نتأكد من ذلك، مثلاً في الحالة الأكثر قرباً مصر، فإن التنكيل بالنظام السابق أصبح هو الهدف الأسمى لحالة ما بعد الثورة، بالطبع لا بد من محاسبة رموز النظام السابق كما أن أحداً لا يمكن أن يغفر له أخطاءه بحق أبناء شعبه ويجب رد المظالم والحقوق إلا أن هذا ليس إلا جزءاً بسيطاً من مهمة التحول الديمقراطي لكنه ليس الهدف الأساسي. في مصر فإن عرض مبارك على شاشات التلفزة خلف قفص الاتهام صار مطلباً كبيراً وشارة من شارات انتصار الشعب على الطاغية، وهو كذلك، وتركز النقاش حول فعاليات المحاكمة وبثها من عدمه ووقائع جلسات الحكم وطبيعة الحكم، مرة أخرى هذا مهم ومطلوب لكنه ليس كل شيء، يجب التركيز أكثر على الوصول إلى حالة الديمقراطية كي لا يعاد إنتاج حالة الحكم السابقة ولكن هذه المرة بقوى مختلفة. بكلمة أخرى تميز تغيير الأنظمة العربية سابقاً باستخدام الدبابة والطائرة في الانقلاب على الحكم حتى أن بعض الدول العربية مثل سورية قبل الأسد شهدت في بعض السنوات أكثر من انقلاب في العام الواحد.
إن الخوف إذا ما تم قصر التحولات العربية على الإطاحة بالنظام وبالتالي استبدال النظام بنظام آخر دون أن يقود هذا إلى إحداث تحولات ديمقراطية وبالتالي يكون ما تم مجرد انقلاب آخر وإطاحة بشخص ليأتي شخص آخر. لا توجد ضمانات حتى الآن أن الديمقراطية ستتفتح في البلدان العربية رغم أن الشواهد تقول إن الأنظمة ستتغير، لكن تغير النظام لا يعني وجود نظام ديمقراطي. بهذا فإن الربيع العربي سيواجه أزمته الداخلية في التغلب على حالة التفكير الذاتي المبدئي والقفز إلى الهدف الحقيقي للتحول الديمقراطي ودوران عجلة الديمقراطية حتى ينطلق القطار.
التعليقات
اترك تعليقك الان
اعلن معنا لا تتردد
موقع البقاء هو موقع تابع لمركز البقاء الطبي, من اهم اهداف الموقع تقديم اخبار محلية و عالمية ,ارشادات طبية للوسط العربي .
